القاضي عبد الجبار الهمذاني
117
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فإن قلتم : إن نقلنا غير ثابت أريناكم التواتر فينا كالتواتر فيكم ؛ فلئن جاز لكم القدح في نقلنا ، ليجوّزنّ القدح في قولكم ؛ فإن ادعيتم في نقلكم الاضطرار ساغ لنا مثله ، في نقلنا ؛ فان ادعيتم أن الاضطرار لو ثبت في نقلنا لنقضه ما ثبت من الاضطرار في نقلكم قلنا لكم : ولو ثبت الاضطرار في نقلكم لأبطله الاضطرار ، الّذي عرفناه في نقلنا . فإن ادعيتم علينا النقل عن موسى عليه السلام أنه ليس نبىّ بعده ، وأن ذلك يمنع من نقلنا فإنما كان يجب لو بشر بنبىّ ناسخ لشريعته ، فأما إذا بشر بنبىّ موافق له فذلك لا يمنع من صحة نقلنا ، وليس عنه في البشارة ما يقتضي التعيين والتخصيص فيصح لكم التعلق به . فان قلتم : إن ثبوت « 1 » المعجز يضطركم إلى تأول خبركم . قلنا لكم : إذا كنا بخبرنا قد علمنا أنه لا معجز يظهر على مدعى نسخ شريعة موسى فقد أمنا ما ادّعيتموه ، كما تأمنون من ظهور معجز ، على من يدعى النبوّة ، بعد محمد ، صلى اللّه عليه . واعلم - أنهم فيما يدّعون من النقل لا يخلون من وجهين : إما أن يدعوا ما يوجب العلم الضروري ، بخبر موسى عليه السلام ، وقصده : أو بخبر موسى دون قصده ؛ أو يدعون النقل على وجه يصح أن يستدل به على ما زعموه ، لأن ما عدا هذين لا مدخل له في هذا الباب ، لأنه لا يمكنهم أن يدعوا أن اجتماعهم حجة ، إلى غير ذلك ، مما يذكر في هذا الباب ؛ فان ادعوا الوجه الأول فقد كان يجب أن يعلم قصد موسى وخبره ، كما تعلمون ؛ ولو علمنا ذلك ، ونحن نعتقد صدقه ، ونعلم ذلك بالمعجزات التي ظهرت عليه ما صح مع هذا العلم أن يثبت في قلوبنا اعتقاد نبوّة من ينسخ شريعته ، ونحن نجد ذلك من أنفسنا ، ونعرفه اليوم
--> ( 1 ) ساقطة من « ص » ومثبتة في هامش « ط » .